الراغب الأصفهاني
337
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
الدمى وأضوأ من النهار إذا استنار وأبهى من سرابيل « 1 » الأنوار . لا يجري بوصفه الوهم ، ولا يبلغ نعته الفهم . كأنّ أنفه قصبة درّ وحدّ حسام وكأنّ فمه حلقة خاتم ، وكأنّ جيده جيد ظبي قد أتلع « 2 » لرؤية قانص « 3 » ، سبط الأنامل ، لين القصب دقيق الخصر حلو الشمائل ، كأنما خلق من كل قلب . فكل طرف له فيه حظّ ولكل قلب إليه ميل . وقيل في وصف جارية : وجهها كضوء البدر ، وخدّها كجني الورد ولسانها ساحر ، وطرفها فأتر . ضمّها بهيج اللوعة ، ونطقها ينقع الغلة « 4 » تنهض بقدّ كالقضيب ، وتدبر بكفل كالكثيب ثديها يرنو إلى ذقنها ، ولا يطرف عكنها « 5 » شعرها ، لاحق بذيلها في مثل سواد ليلها ، ثغرها كاللؤلؤ النظيم ، يجلو دجا الليل البهيم ، ريحها « 6 » كالراح المعتق ختامه كالمسك المفتق ، يستجمع صنوف النعيم مضاجعها ، ولا يأسى على ما فاته مالكها ، صحيحة الحدقة ، مريضة الجفون كأنّ ساعدها طلعة ، ومعصمها جمار ، وأصابعها مداري فضة . وكأنّ نحرها من ساج وبشرتها من زجاج وسرتها من عاج ولينها من خز ، ودثارتها من قز . وقال أعرابي في وصف امرأة : عذب ثناياها « 7 » وسهل خدّاها ونهد ثدياها ولطف كفّاها ونعم ساعداها ، وعرضت وركاها والتفّت خداها ، وخدلت ساقها ، فتلك هي النفس ومناها . قال المرقش الأكبر : النشر مسك والوجوه دنا * نير وأطراف الأكفّ عنم وقال علي بن عاصم : السيف مضحكه والقوس حاجبه * والنّبل عيناه والأشفار أرماح « 8 » وقال المتنبّي : سهاد لأجفان وشمس لناظر * وسقم لأبدان ومسك لناشق ما يجب أن تكون عليه الحسان من حسن الجوارح يجب أن يكون في المرأة ، أربعة أشياء سود : شعر الرأس والحاجبان وأشفار العين والحدقة ، وأربعة بيض : اللون وبياض العين والأسنان والساق ، وأربعة حمر : اللسان
--> ( 1 ) سرابيل : جمع سربال ، القميص وكلّ ما يلبس ، وسربال الأنوار استعارة . ( 2 ) أتلع : طال . ( 3 ) القانص : الصائد . ( 4 ) الغلّة : الظمأ الشديد والحرقة . ( 5 ) العكن : البطن . ( 6 ) ريحها كالراح : أي رائحتها كالخمرة المعتقة . ( 7 ) الثنايا : أسنان مقدّم الفم . ( 8 ) المضحك : الثغر والثنايا - شبّه ثغره وافتراره بالسيف بجامع الرونق والتلألؤ ، وحاجب عينه بالقوس لانحنائه ، كما شبّه العينين والنواظر بالنبل وأهداب العين بالرماح مؤكدا ما فيها من السحر القاتل وكان وقع النظرات القاتلة كوقع النّبال أو الرماح .